الجمعة، 20 فبراير 2026

المحكمة الفيدرالية العليا: فرض الرسوم الجمركية يخضع لسلطة الكونجرس

 ماذا يعني حكم المحكمة العليا بإبطال الرسوم الجمركية لترامب؟

نقلا عن Ezzat Ibrahim Al-Ahram : الأهرام ويكلي 

حكم المحكمة العليا الأمريكية اليوم بإبطال الرسوم الجمركية الواسعة التي فرضتها إدارة ترامب بموجب قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية شكل نقطة تحول ذات طابع دستوري واضح، إذ أعاد تثبيت القاعدة التي تجعل فرض الرسوم، بوصفها أداة ذات طبيعة ضريبية، شأنا يخضع لسلطة الكونغرس لا لاجتهاد تنفيذي واسع. المحكمة لم تناقش إن كانت الرسوم مفيدة أو ضارة، بل ركزت على حدود التفويض القانوني، معتبرة أن استخدام قانون صمم أساسا لتنظيم معاملات مالية وعقوبات لا يكفي لتبرير فرض رسوم شبه شاملة على معظم الشركاء التجاريين. بهذه القراءة، بدا القرار كأنه إعادة رسم دقيقة لخط الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في ملف ظل لسنوات منطقة رمادية.
القرار وضع حدا لمحاولة تحويل IEEPA إلى منصة عامة للسياسة التجارية. هذا القانون، الذي أقر عام 1977، استخدم تاريخيا لإدارة تدفقات مالية وفرض عقوبات في حالات طوارئ وطنية، ولم يسبق أن كان أداة لفرض رسوم جمركية بهذا الاتساع. المحكمة أشارت إلى أن الكلمات العامة في النص القانوني لا يمكن تحميلها معنى يسمح للرئيس بفرض رسوم على أي دولة وأي سلعة وبأي نسبة ومدة، لأن ذلك يقترب من إعادة كتابة القانون لا تفسيره. الرسالة القانونية حملت تحذيرا مؤسسيا من التوسع في صلاحيات الطوارئ على حساب المسار التشريعي.
القانون المقصود هو قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية لعام 1977
International Emergency Economic Powers Act (IEEPA).
هذا القانون يمنح الرئيس الأمريكي صلاحيات واسعة عند إعلان حالة طوارئ وطنية مرتبطة بتهديد خارجي، ويستخدم عادة لفرض عقوبات اقتصادية أو قيود على المعاملات المالية أو تجميد أصول. لم يكن مصمما أساسا لفرض رسوم جمركية عامة على الواردات، ولهذا رأت المحكمة العليا أن الاعتماد عليه لفرض تعريفات شبه شاملة يمثل توسعا يتجاوز حدود التفويض التشريعي.
بكلمات أوضح، IEEPA هو قانون عقوبات وطوارئ اقتصادية، وليس قانون سياسة تجارية أو جمركية بالمعنى التقليدي. الحكم الأخير تمحور حول هذه النقطة تحديدا: هل يمكن استخدام أداة طوارئ مالية كقاعدة قانونية لفرض ضرائب على الاستيراد.
الانقسام داخل المحكمة كشف أن القضية لم تكن اصطفافا حزبيا بسيطا. اعتراض ثلاثة قضاة محافظين دافع عن الحاجة إلى مرونة رئاسية في إدارة السياسة الخارجية، محذرا من فوضى محتملة إذا اندفعت الشركات للمطالبة باسترداد الرسوم التي دفعتها خلال العام الماضي. الأغلبية، في المقابل، شددت على أن المرونة لا تعني تجاوز حدود التفويض، وأن سرعة القرار التنفيذي لا تغني عن وضوح الأساس التشريعي. هذا التباين يعكس توترا أعمق بين منطق الفاعلية السياسية ومنطق الشرعية الدستورية.
الأثر المالي للحكم يفتح بابا معقدا للنقاش. الخزانة الأمريكية جمعت إيرادات ضخمة من الرسوم خلال الفترة الماضية، ومع سقوط السند القانوني تتجه الأنظار إلى احتمالات الاسترداد. الحكم لم يفرض رد الأموال تلقائيا، لكنه أزال الغطاء القانوني الذي استندت إليه الإدارة، ما يمنح الشركات أرضية أقوى للتقاضي. التقديرات المتداولة حول حجم المطالبات المحتملة تشير إلى أرقام كبيرة قادرة على إرباك الحسابات المالية إذا تحولت الدعاوى إلى أحكام ملزمة.
اقتصاديا، لا يعني احتمال استرداد الشركات لما دفعته أن المستهلك الأمريكي سيشهد انخفاضا مباشرا في الأسعار. الرسوم تدفع عند الاستيراد، لكن عبئها يعاد توزيعه عبر سلاسل التسعير وهوامش الربح والعقود مع الموردين. حتى إذا استعادت الشركات جزءا من الأموال، فإن تحويل ذلك إلى تخفيضات سعرية ليس مسارا تلقائيا، لأن كثيرا من الشركات قد تستخدم الاستردادات لتعويض خسائر سابقة أو دعم ميزانياتها في بيئة تتسم بعدم اليقين.
رد فعل الأسواق جاء هادئا نسبيا مقارنة بحجم الحدث. التحركات المحدودة في سوق السندات الحكومية توحي بأن المستثمرين لا يرون في الحكم صدمة فورية للنظام المالي، أو أنهم يراهنون على قدرة الإدارة والكونغرس على احتواء التداعيات. في المقابل، أي سيناريو لاستردادات واسعة قد يعيد فتح نقاشات حول العجز وإصدار الدين، وهو ما يفسر الحذر الذي ظهر في تحركات العملات وأسواق الأسهم.
سياسيا، يقلص الحكم قدرة البيت الأبيض على استخدام الرسوم كأداة ضغط شاملة وسريعة تحت مظلة الطوارئ. الإدارة لا تزال تملك بدائل قانونية عبر قوانين التجارة والأمن القومي، لكنها مسارات أبطأ وأضيق نطاقا وتتطلب تحقيقات وتقارير وإجراءات رسمية. الفارق أن فرض رسوم جديدة سيصبح أقرب إلى عملية مؤسسية تخضع لتدقيق قانوني وبرلماني، لا قرارا تنفيذيا واسع المدى.
القرار يعيد الكونغرس إلى مركز المشهد ولو نظريا. الرسوم الجمركية تعود إلى فضاء المساومة التشريعية بما تحمله من بطء وتعقيد، لكنها أيضا من شرعية أوسع. هذا التحول قد يغير إيقاع السياسة التجارية الأمريكية، إذ تصبح القرارات الكبرى أكثر ارتباطا بالتوافق السياسي داخل المؤسسة التشريعية بدلا من الاعتماد على صلاحيات طوارئ قابلة للطعن.
خارج الولايات المتحدة، سيقرأ الحلفاء والشركاء التجاريون الحكم بإحساس مزدوج. هناك ارتياح نسبي لتقييد آلية فرض رسوم واسعة وغير متوقعة، لكن لا يوجد رهان حقيقي على نهاية نهج الضغط التجاري الأمريكي. البدائل القانونية موجودة، والخطاب السياسي لم يتغير جذريا، ما يعني استمرار حالة الحذر في قرارات الاستثمار وسلاسل الإمداد.
القرار يضع صفقات تجارية أبرمت تحت ضغط الرسوم أمام اختبار جديد. إذا كانت بعض التنازلات قدمت لتفادي رسوم عامة بموجب IEEPA، فإن سقوط هذا الأساس القانوني قد يدفع أطرافا إلى مراجعة التوازنات أو إعادة فتح ملفات تفاوضية. هنا يتحول الحكم القضائي إلى عامل مؤثر في هندسة العلاقات التجارية لا مجرد شأن داخلي أمريكي.
الحكم يسلط الضوء على التوتر الدائم بين خطاب الأمن القومي وقواعد الاقتصاد المفتوح. إدارة ترامب ربطت الرسوم بأهداف تتعلق بالوظائف والعجز التجاري والضغط السياسي، بينما شددت المحكمة على أن هذا الربط مهما كانت وجاهته السياسية لا ينتج تفويضا قانونيا تلقائيا. هذه المفارقة تعيد طرح سؤال قديم حول حدود استخدام أدوات اقتصادية لتحقيق أهداف سياسية.
في الداخل الأمريكي، يوفر القرار ذخيرة جديدة لمعارضي الرسوم الواسعة من جماعات أعمال وشركات صغيرة عانت من ارتفاع الكلفة واضطراب الإمدادات. في المقابل، سيستخدم أنصار الإدارة الحكم لتعزيز رواية تقول إن القضاء يقيد أدوات الرئيس في حماية الاقتصاد الوطني. بذلك يتحول الحكم إلى مادة سجال سياسي يتجاوز تفاصيل الرسوم إلى معنى السلطة وحدودها.
عمليا، سيدخل ملف الاستردادات في مسار قانوني طويل ومعقد. كل شركة مطالبة بإثبات حقها عبر دعاوى منفصلة، ما يخلق سباقا بين من يملك استعدادا قانونيا ومن ينتظر اتضاح الصورة. النتيجة المرجحة فترة ممتدة من النزاعات والتسويات، مع تأثيرات محتملة على قرارات التسعير والاستيراد.
القرار قد يدفع الإدارة إلى إعادة صياغة استراتيجيتها التجارية عبر أدوات أكثر استهدافا مثل الرسوم القطاعية أو التدابير المرتبطة بتحقيقات رسمية. هذا التحول يعني أن الرسوم المستقبلية إن فرضت ستكون أضيق نطاقا وأكثر ارتباطا بتبريرات قانونية محددة، ما قد يقلل عنصر المفاجأة لكنه لا يلغي عنصر عدم اليقين.
لم تسقط المحكمة فكرة الرسوم الجمركية ولا الجدل حول الحمائية، بل أغلقت طريقا قانونيا محددا كان يمنح السلطة التنفيذية مساحة واسعة للتحرك. الرسوم ستظل أداة قائمة في السياسة الاقتصادية الأمريكية، لكن ضمن قيود أوضح ومسارات أكثر رسمية. المرحلة المقبلة تبدو مفتوحة على إعادة ضبط للعلاقة بين القانون والسياسة والاقتصاد، في لحظة تؤكد أن النزاعات التجارية في واشنطن ليست اقتصادية فقط بل دستورية بامتياز.
رسوم ترامب الجمركية مثلت أحد أكثر محاور سياسته الاقتصادية إثارة للجدل، لأنها لم تُقدَّم كأداة تجارية تقليدية فحسب، بل كسلاح متعدد الاستخدامات يجمع بين الاقتصاد والسياسة والأمن القومي. الإدارة بررت هذه الرسوم باعتبارها وسيلة لإعادة التوازن إلى العلاقات التجارية، وتقليص العجز، ودفع الشركات إلى إعادة التصنيع داخل الولايات المتحدة. في الخطاب السياسي، ظهرت الرسوم كآلية تحقق إيرادات كبيرة للخزانة وتفرض كلفة على المنافسين الخارجيين. غير أن الواقع العملي أظهر صورة أكثر تعقيدا، حيث دفعت الشركات الأمريكية الجزء الأكبر من الفاتورة عند الاستيراد، ثم أعادت توزيع العبء عبر الأسعار وهوامش الربح وسلاسل الإمداد.
تجربة الرسوم في عهد ترامب كشفت تناقضا دائما في السياسات الحمائية. بعض القطاعات استفاد من حماية مؤقتة أمام المنافسة الأجنبية، بينما واجهت صناعات أخرى ضغوطا متزايدة بسبب ارتفاع كلفة المواد الخام والمكونات المستوردة. الرسوم تحولت أيضا إلى أداة ضغط تفاوضي مع الحلفاء والخصوم على حد سواء، ما جعلها جزءا من معادلة جيوسياسية لا اقتصادية فقط. ومع تدخل المحكمة العليا وإبطال استخدام قانون الطوارئ الاقتصادية كأساس قانوني لجزء من هذه الرسوم، دخل الملف مرحلة جديدة تتسم بإعادة تعريف حدود السلطة التنفيذية، وإعادة تقييم أثر الرسوم على النمو والأسعار والعلاقات التجارية الدولية.

المحكمة الإدارية بباريس : ترفض فصل طالبة ماجستير بالسوربون استخدمت الذكاء الاصطناعي في بحثها

 نقلا عن د. أحمد لطفي السيد استاذ القانون الجنائي بحقوق المنصورة 

 رفضت المحكمة الإدارية بباريس، في 12 فبراير 2026، الطعن المقدم من جامعة باريس 1 بانتيون سوربونL'université Paris 1 Panthéon-Sorbonne على قرار لجنة التأديب بالمجلس الأكاديمي بالجامعة، الذي كان قد انتهى إلى رفض فصل إحدى الطالبات كانت قد استخدمت برنامج للذكاء الاصطناعي في كتابة رسالتها للماجستير.

وتمسكت الجامعة بعدد من الحجج في معرض دعمها لطلبها بفصل الطالبة ومنها: أن قرار اللجنة التأديبية في مجلسها الأكاديمي برفض الدعوى المرفوعة ضد السيدة (أ) يشوبه الخطأ في تطبيق القانون D'une erreur de droit، وعدم الدقة في تحصيل الوقائع D'une inexactitude matérielle des faits، والغلط في التقدير فيما يتعلق بمدى وجود خطأ من قبل الطالبة D'une erreur d'appréciation quant à l'existence d'une faute.
وقد أسست المحكمة رفضها لهذه الحجج، وتأييد قرار لجنة التأديب بالجامعة، على سند من أن جامعة باريس 1 بانتيون-سوربون لم تقدم أي دليل يدعم طعنها بشأن القواعد التي تنظم استخدام الطلاب للذكاء الاصطناعي في أعمالهم الأكاديمية، وهي القواعد التي يمكن الاستناد إليها في تقييم سوء السلوك المدعى ارتكابه. والحقيقة أنه دون وجود إطار تنظيمي محدد داخل الجامعة لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في المجال الأكاديمي، فإنه لا يمكن تقييم الطبيعة غير المشروعة للأفعال المزعومة، واعتباره من قبيل سوء السلوك.
Ces moyens ne paraissent pas, en l'état de l'instruction, propres à créer un doute sérieux sur la légalité de la décision attaquée, alors notamment que l'université Paris 1 Panthéon-Sorbonne ne produit, à l'appui de son recours, aucun élément relatif aux règles encadrant l'utilisation de l'intelligence artificielle par les étudiants dans le cadre de leurs travaux académiques, à l'aune desquelles le caractère fautif des faits reprochés pourrait être apprécié.
للإطلاع على الحكم كاملاً، يرجى مراجعة الرابط الإلكتروني التالي:



الخميس، 19 فبراير 2026

أم المعارك القانونية: معركة عبد الرزاق السنهوري وزكي عبد المتعال بشأن استقلال مجلس الدولة


السنهوري وزكي عبد المتعال وكرامة مجلس الدولة بقلم وائل أنور بندق
لعل من قناعاتي البسيطة أن السياسة إذا دخلت في أمر ما أفسدته؛ والعلامة السنهوري على مكانته القانونية الذائعة وعلو كعبه في مجال الدراسات القانونية والسياسية فإن السياسة جلبت له المشاكل وجعلت بعض تصرفاته تثير الحيرة في بعض الاحيان ( وليس في أغلبها)؛ فقد كان السنهوري وفديا ولكنه ترك الوفد للحزب السعدي تبعا لأستاذه محمود فهمي النقراشي. ومن ساعتها زرعت العداوة بينه وبين الوفد .
وسنروي هنا موقفين حدثا له مع أحد الوفديبن وهو الدكتور زكي عبد المتعال أحد أقطاب الدراسات الاقتصادية؛ وكان السنهوري في نظرنا مخطئا في الموقف الاول ؛ ومصيبا في الموقف الثاني.
الموقف الاول
عندما كان السنهوري عميدا لكلية الحقوق أراد نكاية في الدكتور زكي عبد المتعال أن يبدو وكأنه يراقب عمله في التدريس ؛ فاقتنص فرصة دخول الدكتور عبد المتعال الي المحاضرة ؛ ودخل السنهوري من الباب الآخر وجلس في مقاعد الطلاب الذين فوجئوا بأن العميد يجلس وسطهم متابعا المحاضرة؛ وحين اكتشف الدكتور زكي عبد المتعال وجود السنهوري صاح غاضبا ( الي هذا الحد انتهت المحاضرة ).
الموقف الثاني
كان الدكتور زكي عبد المتعال وزيرا للمالية في وزارة الوفد ؛ وكان السنهوري رئيسا لمجلس الدولة ؛ وزار السنهوري في المجلس وطلب منه باسم الحكومة التنحي عن رئاسة مجلس الدولة.
وقد دافع السنهوري عن استقلال مجلس الدولة، وحرص أن يدون هذا الدفاع في تقارير المجلس السنوية. فكتب في تقرير المجلس عن العام الرابع، تحت عنوان"حادث جلل في تاريخ مجلس الدولة" :
"والأن أنتقل إلى حادث وقع في مجلس الدولة في عامه الرابع، و لعله أخطر حادث وقع للمجلس من إنشائه إلى اليوم، فقد اعتدى على المجلس في استقلاله وكرامته، ولما كان هذا الحادث الخطير وقع على المجلس في شخصي، فسأسرد الحوادث سرداً موضوعياً، وأذكرها كما وقعت حتى يكون هذا التقرير سجلاً أميناً لما يقع في المجلس من حوادث وما يلم به من أحداث.
في يوم الخميس 26 من شهر يناير سنة 1950، كنت على موعد مع وزير المالية السابق (زكي عبد المتعال)، لأتحدث معه في شئون ميزانية المجلس، بناء على طلب وزير العدل، فلما انتهيت من الحديث في الميزانية، قال وزير المالية إنه يريد التحدث إلي في موضوع دقيق يتعلق برياسة مجلس الدولة، فتولاني شئ من الدهشة. ولكنه أسرع إلي القول إنه يتكلم بإسم الحكومة، وقد اختاره زملاؤه الوزراء لمخاطبتي في هذا الشأن، وذكر أنني كنت منتمياً إلى حزب سياسي، وفي رأي الحكومة أنه لا يجوز لوزير منتم إلى حزب سياسي أن يتولى منصباً قضائياً، فزادت دهشتي، إذ لم أكن من جهتي أتوقع أن يتحدث إلي وزير المالية في شئ من ذلك، فأجبت الوزير أنني لا أرى ما يمنع من أن وزيراً سابقاً يعين رئيساً لمجلس الدولة، حتى لو كان هذا الوزير قد انتمى إلى أحد الأحزاب السياسية، وقت أن كان وزيراً .. وما دمت قد استقلت من الحزب الذي أنتمي إليه، وقطعت صلتي بجميع الأحزاب السياسية، منذ توليت القضاء، فلا يجوز أن يقوم أي اعتراض على شغلي لمنصبي الحالي.
فقال الوزير: و لكن اشتركت في انتخاب رئيس هيئة حزبية ومرسوم تعيينك في طريقه إلى القصر.
فأجبت : وهل كان المرسوم قد صدر وقت أن فعلت ذلك ؟ ألم أكن وقتئذ عضواً في هذه الهيئة، وكان من واجبي أن أشترك في انتخاب رئيسها؟ ثم بعد أن صدر المرسوم أوقع مني - وقد حلفت اليمين - تصرف قضائي يدل على أنني رجل حزبي ؟
فأجاب الوزير : فيما أعلم لم يصدر منك تصرف حزبي.
قلت : وفيما لم تعلم تسطيع أن تسأل.
ثم قال الوزير كلاماً فهمت منه أن رفعة رئيس الديوان الملكي إذ ذاك -حسين سري باشا - وافق الحكومة على رأيها هذا.
فأجبت أنه يدهشني أن يكون رفعة حسين باشا سري من هذا الرأي، وقد زرته عندما تولى رياسة الوزراة أخيراً، فرحب بي ترحيباً بالغاً، وقال إنه يعرف بأني لست برجل حزبي.
وانتهى الوزير إلى أن يقول : إن شئت اختر منصباً أخر.
فقلت : وأي منصب اخر تريدني أن اختاره. ألم أكن وزيراً، وفضلت مع ذلك رياسة مجلس الدولة على منصب الوزير.
ثم قلت إن الحكومة إذ تتقدم إلي أن أتنحى عن منصبي بدعوى الحزبية، هي التي تتصرف تصرفاً حزبياً معيباً، وأن واجبي هو أن أدافع اعتداءها على كرامة مجلس الدولة واستقلال القضاء، وسأبقى في منصبي لأقوم بهذا الواجب. وإن بيني وبينكم دستور البلاد وقانون مجلس الدولة.
ثم سلمت وانصرفت.
وأعقب ذلك أن صدرت جرائد الحكومة في الأيام التالية تهاجمني في عنف شديد وتطلب خروجي من رياسة المجلس.
فأرسلت في يوم 29 من يناير سنة 1950 كتاباً إلى وزير العدل بسطت فيه الحديث الذي دار بيني و بين وزير المالية، و في اليوم ذاته أرسلت صورة من هذا الكتاب إلى رئيس الديوان الملكي راجياً رفعه إلى مقام حضرة صاحب الجلالة الملك .. وانتظرت رد وزير العدل فلم أتلق شيئاً، وزادت جرائد الحكومة في مهاجمتي تحت عناوين ضخمة نشرت في أظهر صفحاتها.
فرأيت من واجبي أن أدعو الجمعية العمومية للمجلس للاجتماع، فاجتمعت في أول فبراير سنة 1950، وعاودت الاجتماع فتولى الرياسة أقدم الوكيلين، حضرة صاحب العزة سليمان بك حافظ .. و بحسبي أن أسجل القرار الذي انتهت إليه الجمعية وهذا هو :
(.. و لما كانت الجمعية ترى أن تعيين رئيس مجلس الدولة، ولو كان هذا الوزير منتمياً إلى أحد الأحزاب السياسية جائزاً قانوناً، مادام الوزير السابق قد استقال من حزبه. ولذلك كان في مطالبة رئيس مجلس الدولة بالتنحي عن منصبه بهذه الطريقة مخالفة صريحة للقانون، واعتداء على استقلال المجلس، لا تقره الجمعية العمومية وتعهد إلى رئيس مجلس الدولة، أن يتخذ من الاجراءات ما يكفل المحافظة على استقلاله ).

التحميل: اكتمل تحميل 203186 من 203186 بايت.

الثلاثاء، 17 فبراير 2026

خدعوك فقالوا: كل قضايا المخدرات براءة بعد حكم المحكمة الدستورية

لا براءات جماعية أو تلقائية بعد حكم الدستورية في جداول المخدرات
----------
الصحفي محمد بصل المحرر القضائي بجريدة الشروق المصرية : بعد مراجعة لعشرات القرارات الصادرة من وزير الصحة ورئيس هيئة الدواء ومراجعة الاسماء العلمية المرعبة للمواد المشتقة ، ومراجعة قانون المخدرات وتعديلاته توصل إلى أنه: لا براءات جماعية أو تلقائية بعد حكم الدستورية في جداول المخدرات
----------
الصحفي محمد بصل المحرر القضائي بجريدة الشروق المصرية : بعد مراجعة لعشرات القرارات الصادرة من وزير الصحة ورئيس هيئة الدواء ومراجعة الاسماء العلمية المرعبة للمواد المشتقة ، ومراجعة قانون المخدرات وتعديلاته توصل إلى أنه: لا براءات جماعية أو تلقائية بعد حكم الدستورية في جداول المخدرات
- الشابو والحشيش الصناعي بأنواعه مدرجة في الجدول بقرارات وزير الصحة قبل عام 2020 والتغيير في موقع تلك المواد بالجدول ينعكس على درجة العقوبة
- مواد الاتجار في القانون لا تميز بين المخدرات حسب موقعها بالجدول.. والتشديد للقسم الأول في حالات محددة أبرزها الحيازة المجردة
- القانون 134 لسنة 2019 (اللي ناس كتير مش فاكرينه) اعتبر المخدرات الحديثة المصنّعة في حكم الجواهر المخدرة التقليدية وتنطبق عليها جميع أحكام قانون مكافحة المخدرات

















الشابو والحشيش الصناعي بأنواعه مدرجة في الجدول بقرارات وزير الصحة قبل عام 2020.. والتغيير في موقعها ينعكس على درجة العقوبة

- مواد الاتجار في القانون لا تميز بين المخدرات حسب موقعها بالجدول.. والتشديد للقسم الأول في حالات محددة أبرزها الحيازة المجردة

- القانون 134 لسنة 2019 اعتبر المخدرات الحديثة المصنّعة في حكم الجواهر التقليدية.. وترقب لحكم "النقض" في القضية العائدة من الدستورية

فتح حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر أمس الأول بعدم دستورية قرارات رئيس هيئة الدواء المصرية بتعديل جداول المخدرات، باب أمل واسع أمام المتهمين في قضايا المخدرات ومحاميهم بحثًا عن ثغرات قانونية على إثر بطلان وسقوط تلك القرارات، للحصول على أحكام براءة أو تخفيف العقوبة سواء في القضايا المنظورة حاليًا بأول درجة أو بعد الطعن في الاستئناف أو النقض.

ومن جانب آخر أثارت بعض التفسيرات حالة واسعة من التخوف بسبب ما تردد عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن "بطلان المحاكمات" و"الإفراج عن المحبوسين" نتيجة الحكم الدستوري، إذ لا يستقيم ذلك مع الطبيعة الخطيرة لجرائم الاتجار في المخدرات وتصنيعها وتخليقها وزراعتها وجلبها، التي تضرب أمن الدولة ومستقبلها في مقتل، خاصة مع التطور الهائل في نوعيات المخدرات المخلقة وتأثيرها الكارثي على المتعاطين.

إن السعي لانتزاع البراءة أو الحكم المخفف جزء أساسي من رسالة المحامين في تمثيل موكليهم وضمان تمتعهم بأفضل دفاع ممكن التزامًا بكفالة حق الدفاع كأحد القواعد الرئيسية لدولة القانون. لكن هذا لا يبرر القفز على سلطة المحاكم في تفسير القانون أو تجاهل الواقع التشريعي أو ترديد شائعات مربكة للرأي العام، كما حدث عقب الحكم الدستوري الأخير، حتى أصبح الملايين يتصورون أنه يعني –تلقائيًا- إصدار براءات جماعية وسقوط الاتهامات في آلاف القضايا التي حركتها النيابة العامة، وتحديدًا في وقائع تصنيع المخدرات المخلقة والاتجار فيها وحيازتها خلال السنوات الأخيرة.

وحتى نبحث أثر الحكم على قضايا المخدرات التقليدية والمخلقة، يجب التمعن فيما سطرته المحكمة برئاسة المستشار بولس فهمي عن طريقة تطبيق الحكم على القضايا الجديدة والحالية في مختلف مراحل التقاضي، وفقًا للبيان الصحفي الصادر من المحكمة، ومفاده "تطبيق جداول المخدرات بوضعها الذي كان قائمًا قبل بدء إصدار قرارات رئيس هيئة الدواء" وهو ما عبرت عنه "الشروق" في صدر صفحتها الأولى أمس بـ"عودة جداول المخدرات إلى عام 2020".

وعقب الحكم، وتطبيقًا للمادة 49 من قانون المحكمة الدستورية العليا؛ أرسل المستشار عماد البشري رئيس هيئة المفوضين بها خطابًا إلى النائب العام المستشار محمد شوقي عياد يوضح منطوق الحكم والذي يتضمن "سقوط قرارات رئيس هيئة الدواء السابقة واللاحقة على القرار 600 لسنة 2023 في شأن تعديل الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات رقم 182 لسنة 1960".

وبالتالي فإن الخطوة الأولى لبحث أثر الحكم هي النظر في الجداول وفق آخر تحديث لها قبل بدء تعديلها بقرارات رئيس هيئة الدواء. فماذا نجد عند مراجعة تلك التعديلات؟

آخر قرار صدر من وزير الصحة يحمل رقم 900 لسنة 2019 ونُشر في "الوقائع المصرية" في يناير 2020. ثم في أبريل 2020 بدأ رئيس هيئة الدواء يصدر قرارات التعديل، تطبيقًا للقانون هيئة الدواء رقم 151 لسنة 2019 ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار رئيس الوزراء رقم 777 لسنة 2020. ومنذ ذلك الحين أصدر رئيس الهيئة نحو 20 قرارًا بتعديل الجداول.

لكن القرار 600 لسنة 2023 الذي رأت فيه محكمة النقض شبهة عدم دستورية وكان سبب صدور الحكم الدستوري الأخير، يحظى بمركزية مهمة، فهو القرار الذي وحدت من خلاله هيئة الدواء الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات، ووحّدت فيه طريقة تصنيف جميع الجواهر المخدرة والمواد المخدرة المخلقة المنصوص عليها في القرارات الوزارية السابقة، بتدقيق اصطلاحي وفني ولغوي للمسميات العلمية، مع توحيد كتابة جميع المواد وحذف المسميات غير العلمية، مع توافق طريقة إدراجها مع القوائم الدولية التزامًا بالاتفاقيات الدولية لمكافحة المخدرات التي وقعت عليها مصر.

ويمكن القول إن هذا القرار والقرارات الأخرى من رئيس هيئة الدواء لها ثلاثة تطبيقات:

1- إضافة بعض المواد لم تكن قائمة في الجداول حتى عام 2020، سواء من المحظورات أو المستحضرات المستثناة أو التي تخضع لبعض القيود.

2- تعديل مكان بعض المواد حسب خطورتها المستحدثة بسبب انتشارها مثل: المخدرات المخلقة التي تحمل أسماء سوقية عديدة كالشابو والآيس والميث والكريستال ميث والفودو والاستروكس والجوكر والباودر وسبايس وأشكال أخرى مما يسمى الحشيش الصناعي، ونقلها من القسم الثاني بالجدول رقم (1) إلى القسم الأول (ب) من نفس الجدول.

3- تعديل بعض المسميات وتوحيد المواد المشتقة تحت مجموعات من المواد المخدرة، بحيث تشمل أي مستحضر أو مخلوط أو مستخلص أو أي مركب آخر يحتوي عليها بأي نسبة كانت، وذلك لضمان تعميم حظر جلبها وتصنيعها وتداولها بطريق غير مشروع.

وهنا يُطرح سؤال مهم: ما موقف المخدرات المخلقة الجديدة؟ والتي يزعم البعض في تصريحات إعلامية وعبر مواقع التواصل الاجتماعي إنها دخلت الجدول فقط بقرارات رئيس هيئة الدواء وأنها لم تكن مجرّمة من قبل.

بالبحث الدقيق في جميع قرارات وزير الصحة السابقة على 2020 نجد أن معظم تلك المواد كانت مدرجة بالفعل في الجدول رقم (1) ولكن في القسم الثاني بدلًا من القسم الأول (ب). ونتحدث هنا بشكل أساسي عن مجموعتين من المواد المخدرة الحديثة نسبيًا:

أولاً- الحشيش الصناعي Synthetic cannabinoids وما يدخل في تصنيعه (جوكر/ سبايس/ فودو/ ستروكس) المنتشر عالميًا منذ عام 2012 وأشهر المجموعات المتداولة له والتي حُركت بشأنها قضايا مؤخرًا (مثل القضية المعروفة إعلاميًا بعصابة سارة خليفة) هي "إندارزول كاربوكساميد" (رقم 3 من القسم الأول (ب) من الجدول رقم 1 وفق القرار 600 لسنة 2023 الملغى) وكذلك مجموعة "إندول كاربوكساميد" (رقم 5 من القسم ذاته) وجميع المواد المشتقة من المجموعتين كانت مدرجة في القسم الثاني من الجدول بقرارات وزير الصحة قبل عام 2020 وذلك على النحو التالي:

* القرار رقم 440 لسنة 2018: AB-Fubinaca – AB Chminaca - AMB-Fubinaca - 5F ADB

* القرار رقم 711 لسنة 2018: EMB-Fubinaca

* القرار رقم 177 لسنة 2019: ADB-Fubinaca – ADBICA – 5F-MDMB-PICA – AMB-PICA

ثانيًا- الميث/ الكريستال ميث/ الشابو والمعروف علميًا وقانونيًا بمصطلح ميثامفيتامين وقد حُركت بشأنه العديد من القضايا في الفترة الأخيرة (وكان أيضًا في قضية عصابة سارة خليفة). وهو أحد المواد المشتقة من مجموعة "فينيثيل أمين" (رقم 12 من القسم الأول (ب) من الجدول رقم 1 وفق القرار 600 لسنة 2023 الملغى). ويتبين من البحث أن الميث والمواد المشابهة له كانت مدرجة في القسم الثاني من الجدول بقرارات وزير الصحة قبل عام 2020 على النحو التالي:

* القرار رقم 96 لسنة 1997: ميثامفيتامين Methamphetamine

* القرار رقم 165 لسنة 2001: DMA – MIDMA – MMDA – PMA – TMA – Levomethamphetamine وغيرها

والخلاصة: أن هذه المخدرات الحديثة كانت مدرجة في الجدول ولكن في القسم الثاني، أي أن عقوبة حيازتها بغير قصد الاتجار كانت أقل وفقًا للمادة 38 من قانون مكافحة المخدرات.

لكن هل هذا يعني أن جميع القضايا التي حُركت بسبب تلك المواد سيتم تخفيف العقوبة فيها؟

ببساطة: لا. لكن الإجابة تتطلب مزيدًا من البحث في قانون مكافحة المخدرات ذاته. لأن مواد الاتهام التي توجهها النيابة العامة في قضايا المخدرات ليست موحّدة. بعضها يتعامل مع جميع المواد المخدرة المدرجة في الجدول دون تمييز، والبعض الآخر يميّز بين العقوبات تخفيفًا وتشديدًا حسب موقع المواد في الجدول.

وأهم المواد التي تشدد العقوبات إذا كانت المخدرات محل الواقعة في القسم الأول من الجدول رقم (1) : المادة 38 الخاصة بالحيازة دون قصد الاتجار أو التعاطي أو الاستعمال (الحيازة المجردة من القصود) والتي تشدد العقوبة إلى السجن المؤبد وغرامة من 100 ألف إلى 500 ألف جنيه. والبند (6) من الفقرة (ج) من المادة 34 الخاصة بإدارة أو تهيئة مكان للتعاطي بمقابل التي تشدد العقوبة إلى الإعدام وغرامة من 100 ألف إلى 500 ألف جنيه. وكذلك المادة 34 مكرر التي توقع العقوبة ذاتها على من دفع غيره بالإكراه أو الغش للتعاطي. والمادة 39 التي تشدد عقوبة الحبس والغرامة على من يُضبط في مكان معد للتعاطي.

وفي المقابل هناك مواد اتهام أساسية لا تميز بين المخدرات حسب موقعها في الجدول، فتنص على معاقبة المدانين بارتكاب تلك الجرائم أيًا كان نوع المواد والجواهر الواردة في الجدول، وعلى رأسها: المادة 33 الخاصة بالجلب والتصدير والإنتاج والاستخراج بقصد الاتجار وتشكيل عصابة بغرض الاتجار والتي تصل عقوبتها إلى الإعدام. والمادة 34 التي تعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد على الاتجار والحيازة بغرض الاتجار، واستخدام الجواهر المخدرة لغير الغرض المرخص، وإدارة أو تهيئة مكان للتعاطي (وهاتان المادتان موجهتان إلى المتهمين في قضية عصابة سارة خليفة).

وبذلك فلا براءات جماعية أو تلقائية بعد حكم "الدستورية". بل ستحدد المحاكم وجهات التحقيق موقف القضايا المنظورة أمامها حسب قيد ووصف الاتهام، والمواد الواردة في قرار الإحالة الصادر من النيابة العامة للتعرف على المنسوب إلى المتهمين. فلن يستفيدوا إذا كانت المواد لا تميز بين المخدرات حسب موقعها في الجدول.

وإذا كانت المواد تميز مواد القسم الأول من الجدول فالاستفادة مرجحة بتخفيف العقوبة، كما في حالة حيازة الشابو بغير قصد الاتجار، وهي موضوع القضية التي أحيلت من محكمة النقض إلى "الدستورية".

ويبقى سؤال مهم طُرح في الرأي العام عن مدى اعتبار المواد المخدرة المصنّعة والمخلّقة الجديدة، من أشكال المخدرات التقليدية المدرجة في الجدول

حيث زعم البعض أن تلك المواد أضيفت إلى الجدول بقرارات هيئة الدواء فقط، وهذا ما أظهر البحث عدم صحته كما أوضحنا سلفًا، بينما ادعى آخرون أن تلك المواد لا تنطبق عليها العقوبات المقررة للمخدرات التقليدية.

حُسمت هذه المسألة منذ سبع سنوات بصدور القانون رقم 134 لسنة 2019 الذي أضاف إلى قانون مكافحة المخدرات مادة مهمة برقم (1 مكرر) تنص على اعتبار المواد المخلّقة الواردة بالجدول في حكم الجواهر المخدرة في تطبيق أحكام القانون.

وبالتالي لم يعد هناك أي فارق في المعاملة التشريعية بين المخدرات التقليدية والمخدرات الجديدة المصنّعة، فيعاقب القانون الاتجار فيها جميعًا بالإعدام والمؤبد على الجلب والإنتاج والتصنيع والتخليق والاتجار وتشكيل العصابات المختصة بهذا النشاط الإجرامي في الداخل والخارج، وأيًّا كان موقع المواد محل الضبط في الجدول.

وفي الأسابيع القادمة سوف تسهم محكمة النقض في توضيح آثار الحكم الدستوري، من خلال تعاملها مع القضية التي كانت قد أحالتها، والقضايا الأخرى التي أوقفتها تعليقيًا انتظارًا للفصل في الدستورية. وبالتوازي مع ذلك سيكون على الحكومة ومجلس النواب التحرك سريعًا لإدخال تعديل تشريعي لإحكام صياغة المادة الثانية من قانون هيئة الدواء رقم 151 لسنة 2019 وضبط التفويض التشريعي لرئيسها في تعديل وتحديث جداول المخدرات.

د. طارق سرور: أثر حكم الدستورية بشأن جدول المخدرات هو إعادة صياغة محتوى القرارات المقضي بعدم دستوريتها

 ........………حدود أثر الحكم الدستوري.….....................

انحسار التشديد وبقاء التجريم القائم
قضت المحكمة بعدم دستورية قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم ٦٠٠ لسنة ٢٠٢٣ فيما تضمنه من نقل جوهر الميثامفيتامين (الميث المخدر) من القسم الثاني إلى القسم الأول (ب) من الجدول رقم (١) الملحق بالقانون رقم ١٨٢ لسنة ١٩٦٠ بشأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها، وهو النقل الذي ترتب عليه تشديد العقوبة المقررة على حيازة تلك المادة أو إحرازها أو تعاطيها أو الاتجار بها.
وأقامت المحكمة قضاءها على أن القرار المطعون عليه قد انطوى على افتئات على التفويض التشريعي المقرر لوزير الصحة والسكان بتعديل الجداول الملحقة بالقانون المشار إليه، وفق نص المادة (٣٢) منه، كما جاوز حدود حلول رئيس هيئة الدواء المصرية محل وزير الصحة والسكان في الاختصاصات المخولة للأخير بموجب القانون رقم ١٢٧ لسنة ١٩٥٥ في شأن مزاولة مهنة الصيدلة، بما يعيبه بمخالفة أحكام الدستور.
غير أن الحكم بعدم دستورية القرار المشار إليه لا يترتب عليه زوال أصل تجريم المواد المخدرة الواردة به، ولا يؤدي تبعاً لذلك إلى براءة المتهمين بحيازتها أو إحرازها أو تعاطيها أو الاتجار فيها في الدعاوى المتداولة، ذلك أن هذه الجواهر – ومن بينها جوهر الميثامفيتامين محل الحكم – سبق إدراجها بقرار وزير الصحة والسكان رقم ٤٦ لسنة ١٩٩٧ تحت رقم (٩١) «ميثامفيتامين: Methamphetamine»، ومن ثم ظل تجريمها قائماً ومستنداً إلى أداة قانونية صحيحة.
وعليــــــــــــــــــــــــــــــه
فإن الأثر القانوني للحكم الدستوري يقتصر على إلغاء التشديد في العقوبة الذي ترتب على نقل الميثامفيتامين إلى القسم الأول (ب) بموجب القرار المقضي بعدم دستوريته، بما مؤداه العودة إلى القيد والوصف والعقوبة المقررة له قبل صدور ذلك القرار.
بعبارة أخرى، إن الحكم بعدم دستورية القرار المشار إليه لا يمس أصل التجريم ولا ينال من الصفة غير المشروعة لحيازة أو إحراز أو تعاطي أو الاتجار بهذه المواد، إذ كانت مجرمة مسبقاً بموجب قرارات صحيحة صادرة عن الجهة المختصة قانونا، وإنما يقتصر أثر الحكم على إلغاء التشديد في العقوبة بالنسبة للجواهر المخدرة التي ترتب على نقلها إلى جدول يفرض عقوبة أشد عما كانت عليه، بموجب القرار المقضي بعدم دستوريته.
وبذلك يظل الوضع القانوني على ما كان عليه قبل القرار المقضي بعدم الدستورية، وفقاً للقرات السابقة لوزير الصحة، مع تطبيق العقوبة المقررة آنذاك (اذا كانت أقل) دون فراغ تشريعي أو سقوط التجريم، إلى أن يصدر قرار من الوزير المختص بإعادة القرار المطعون فيه الذي أدى إلى تشديد العقوبة.
ويؤكد هذا النظر ما ورد بالمذكرة الإيضاحية للقرار "المقضي بعدم دستوريته"، إذ أفصحت عن أنه اقتصر على إعادة صياغة محتوى القرارات الوزارية السابقة في صورة جداول منقحة ومنضبطة صياغة وعلما، مع توحيد الشكل الجدولي لما لم يكن وارداً بهذه الصورة،
فضلاً عن نقل المجموعات ومشتقاتها المرتبطة بالمخدرات التخليقية إلى القسم الأول (ب) من الجدول رقم (1)، إخضاعاً لها للتجريم المشدد المقرر لهذا القسم، تأسيساً على ما تنطوي عليه من خطورة بالغة لا تقتصر آثارها على المتعاطي فحسب، بل تمتد إلى المجتمع بأسره، بما استوجب - بحسب ما ارتآه مصدر القرار - تغليظ العقاب على مختلف الصور الإجرامية المتعلقة بها وفق أحكام القانون المشار إليه.
والمفاجأة أنه يُلاحظ أن المادة المخدرة «ميثامفيتامين: Methamphetamine» كانت مدرجة أصلاً ضمن الجدول رقم (1) القسم الثاني بقرار وزير الصحة والسكان رقم ٤٦ لسنة ١٩٩٧، مما يجعل الحكم عاجزاً عن المساس بمبدأ تجريم هذه المادة أو بالعقوبة المقررة لها. ووردت المادة الفعالة في تعديل قانون المخدرات رقم ١٥٣ لسنة ٢٠٢٤ الصادر في ٢٢ ابريل ٢٠٢٤.
—————————-
دكتور/ طارق سرور
أستاذ ورئيس قسم القانون الجنائي
بكلية الحقوق جامعة القاهرة

الاثنين، 16 فبراير 2026

مقترحات للخروج من حالة الارتباك في قضايا المخدرات بعد صدور حكم الدستورية العليا اليوم

 د. محمد شعبان يرى:  أن الاشكاليات المثارة بخصوص تطبيق قانون مكافحة المخدرات تحتاج إلى حل تشريعي بسيط؛

أولاً: صدور قانون بتعديل بعض أحكام قانون مكافحة المخدرات، وهذا اقتراحي للتعديل👇

ثانيا: صدور قرار جديد من رئيس هيئة الدواء المصرية باستحداث الجداول، واستبدالها بالجداول الملحقة بالقانون رقم 182 لسنة 1960 مع النص على إلغاء كل ما يخالف هذا القرار ويكون نص  النص على النحو الآتي: 




ويضيف  أيمن ظريف إسكندر  المحامي بالنقض  في سياق التحليل القانوني للحكم وبيان الأساس الدستوري الذي استند إليه الحكم 


أولاً: التحليل القانوني للحكم في بنود مختصرة
1️⃣ بيانات الحكم
المحكمة: محكمة النقض – الدائرة الجنائية (دائرة الأحد ب).
رقم الطعن: 5835 لسنة 94 ق.
الحكم المطعون فيه: صادر من جنايات سوهاج.
موضوع الاتهام:
إحراز جوهر الميثامفيتامين بقصد الاتجار.
إحراز سلاح ناري (فرد خرطوش) وذخائر بدون ترخيص.
2️⃣ جوهر الإشكال القانوني
النيابة العامة تمسكت بتطبيق قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023، الذي نقل جوهر “الميثامفيتامين” من جدول إلى آخر، بما يترتب عليه تغليظ العقوبة (حتى الإعدام في حالة الاتجار).
الدفاع أثار شبهة:
صدور القرار من غير مختص.
مخالفته لمبدأ الشرعية الجنائية.
افتقاده لتفويض تشريعي صريح.
3️⃣ الأساس الدستوري الذي اعتمدته المحكمة
المحكمة استندت إلى:
مبدأ الشرعية الجنائية (لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص).
مبدأ الفصل بين السلطات.
خضوع اللوائح والقرارات التنفيذية للرقابة الدستورية.
اشتراط وجود تفويض تشريعي صريح ومحدد لتعديل الجداول التي يترتب عليها تغليظ عقوبة.
4️⃣ موقف المحكمة من قرار هيئة الدواء
محكمة النقض قررت:
أن تعديل الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات هو اختصاص تشريعي أصيل.
وأن التفويض – إن وجد – يجب أن يكون صريحًا ومحددًا.
وأن قرار رئيس هيئة الدواء بتعديل الجداول لا يستند إلى تفويض يجيز له تعديل نص يترتب عليه تشديد عقوبة جنائية.
مما يثير شبهة عدم الدستورية.
5️⃣ منطوق الحكم
قبول طعن النيابة والمحكوم عليه شكلاً.
وقف نظر الطعن.
إحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستورية قرار رئيس هيئة الدواء رقم 600 لسنة 2023.
6️⃣ الأثر القانوني المباشر للحكم
✍️تجميد تطبيق القرار محل الطعن لحين فصل المحكمة الدستورية.
✍️فتح باب الدفع بعدم دستورية القرارات الصادرة استنادًا إليه.
✍️تأثير مباشر على القضايا المنظورة المتعلقة بجوهر الميثامفيتامين.
7️⃣ الأثر المستقبلي المحتمل
إذا قضت المحكمة الدستورية بعدم الدستورية:
🛑سقوط القرار بأثر كاشف.
🛑إعادة توصيف قانوني للعديد من الوقائع.
🛑إمكانية إعادة النظر في أحكام سابقة إن بُنيت على القرار.
ثانياً: البيان الرسمي
بيان صادر عن
المؤسسة العربية للمحاماة والتدريب الرقمي
في ضوء الحكم الصادر من محكمة النقض في الطعن رقم 5835 لسنة 94 قضائية، والمتعلق بمدى دستورية قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023 بشأن تعديل الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات، تؤكد المؤسسة ما يلي:
أولاً: دلالة الحكم
🇪🇬الحكم يمثل تأكيدًا راسخًا لمبدأ الشرعية الجنائية، وأن الأصل في التجريم والعقاب هو النص التشريعي الصادر عن السلطة المختصة، ولا يجوز تغليظ العقوبات أو توسيع نطاق التجريم بقرارات إدارية تفتقر إلى تفويض تشريعي صريح ومحدد.
ثانياً: الأثر القانوني
↩️إحالة الأمر إلى المحكمة الدستورية العليا يفتح المجال لإعادة فحص مدى سلامة التفويض التشريعي الممنوح لهيئة الدواء المصرية، ومدى مشروعية تعديل الجداول بما يترتب عليه تشديد العقوبات.
ثالثاً: الحل القانوني المقترح
1️⃣ على المستوى التشريعي
ضرورة تدخل المشرع بشكل عاجل عبر:
✍️✍️إصدار تعديل تشريعي صريح يحدد الجهة المختصة بتعديل الجداول.
✍️✍️وضع ضوابط واضحة للتفويض إن تقرر منحه.
النص صراحة على الأثر الزمني لأي تعديل.
2️⃣ على المستوى القضائي والدفاعي
✅الدفع بعدم دستورية القرار في القضايا المنظورة.
✅التمسك بتطبيق النص الأصلح للمتهم وفقًا للمادة 5 عقوبات.
✅طلب وقف تنفيذ الأحكام الصادرة استنادًا للقرار محل النزاع لحين حسم الدستورية.