ماذا يعني حكم المحكمة العليا بإبطال الرسوم الجمركية لترامب؟
نقلا عن Ezzat Ibrahim Al-Ahram : الأهرام ويكلي
حكم المحكمة العليا الأمريكية اليوم بإبطال الرسوم الجمركية الواسعة التي فرضتها إدارة ترامب بموجب قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية شكل نقطة تحول ذات طابع دستوري واضح، إذ أعاد تثبيت القاعدة التي تجعل فرض الرسوم، بوصفها أداة ذات طبيعة ضريبية، شأنا يخضع لسلطة الكونغرس لا لاجتهاد تنفيذي واسع. المحكمة لم تناقش إن كانت الرسوم مفيدة أو ضارة، بل ركزت على حدود التفويض القانوني، معتبرة أن استخدام قانون صمم أساسا لتنظيم معاملات مالية وعقوبات لا يكفي لتبرير فرض رسوم شبه شاملة على معظم الشركاء التجاريين. بهذه القراءة، بدا القرار كأنه إعادة رسم دقيقة لخط الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في ملف ظل لسنوات منطقة رمادية.
القرار وضع حدا لمحاولة تحويل IEEPA إلى منصة عامة للسياسة التجارية. هذا القانون، الذي أقر عام 1977، استخدم تاريخيا لإدارة تدفقات مالية وفرض عقوبات في حالات طوارئ وطنية، ولم يسبق أن كان أداة لفرض رسوم جمركية بهذا الاتساع. المحكمة أشارت إلى أن الكلمات العامة في النص القانوني لا يمكن تحميلها معنى يسمح للرئيس بفرض رسوم على أي دولة وأي سلعة وبأي نسبة ومدة، لأن ذلك يقترب من إعادة كتابة القانون لا تفسيره. الرسالة القانونية حملت تحذيرا مؤسسيا من التوسع في صلاحيات الطوارئ على حساب المسار التشريعي.
القانون المقصود هو قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية لعام 1977
International Emergency Economic Powers Act (IEEPA).
هذا القانون يمنح الرئيس الأمريكي صلاحيات واسعة عند إعلان حالة طوارئ وطنية مرتبطة بتهديد خارجي، ويستخدم عادة لفرض عقوبات اقتصادية أو قيود على المعاملات المالية أو تجميد أصول. لم يكن مصمما أساسا لفرض رسوم جمركية عامة على الواردات، ولهذا رأت المحكمة العليا أن الاعتماد عليه لفرض تعريفات شبه شاملة يمثل توسعا يتجاوز حدود التفويض التشريعي.
بكلمات أوضح، IEEPA هو قانون عقوبات وطوارئ اقتصادية، وليس قانون سياسة تجارية أو جمركية بالمعنى التقليدي. الحكم الأخير تمحور حول هذه النقطة تحديدا: هل يمكن استخدام أداة طوارئ مالية كقاعدة قانونية لفرض ضرائب على الاستيراد.
الانقسام داخل المحكمة كشف أن القضية لم تكن اصطفافا حزبيا بسيطا. اعتراض ثلاثة قضاة محافظين دافع عن الحاجة إلى مرونة رئاسية في إدارة السياسة الخارجية، محذرا من فوضى محتملة إذا اندفعت الشركات للمطالبة باسترداد الرسوم التي دفعتها خلال العام الماضي. الأغلبية، في المقابل، شددت على أن المرونة لا تعني تجاوز حدود التفويض، وأن سرعة القرار التنفيذي لا تغني عن وضوح الأساس التشريعي. هذا التباين يعكس توترا أعمق بين منطق الفاعلية السياسية ومنطق الشرعية الدستورية.
الأثر المالي للحكم يفتح بابا معقدا للنقاش. الخزانة الأمريكية جمعت إيرادات ضخمة من الرسوم خلال الفترة الماضية، ومع سقوط السند القانوني تتجه الأنظار إلى احتمالات الاسترداد. الحكم لم يفرض رد الأموال تلقائيا، لكنه أزال الغطاء القانوني الذي استندت إليه الإدارة، ما يمنح الشركات أرضية أقوى للتقاضي. التقديرات المتداولة حول حجم المطالبات المحتملة تشير إلى أرقام كبيرة قادرة على إرباك الحسابات المالية إذا تحولت الدعاوى إلى أحكام ملزمة.
اقتصاديا، لا يعني احتمال استرداد الشركات لما دفعته أن المستهلك الأمريكي سيشهد انخفاضا مباشرا في الأسعار. الرسوم تدفع عند الاستيراد، لكن عبئها يعاد توزيعه عبر سلاسل التسعير وهوامش الربح والعقود مع الموردين. حتى إذا استعادت الشركات جزءا من الأموال، فإن تحويل ذلك إلى تخفيضات سعرية ليس مسارا تلقائيا، لأن كثيرا من الشركات قد تستخدم الاستردادات لتعويض خسائر سابقة أو دعم ميزانياتها في بيئة تتسم بعدم اليقين.
رد فعل الأسواق جاء هادئا نسبيا مقارنة بحجم الحدث. التحركات المحدودة في سوق السندات الحكومية توحي بأن المستثمرين لا يرون في الحكم صدمة فورية للنظام المالي، أو أنهم يراهنون على قدرة الإدارة والكونغرس على احتواء التداعيات. في المقابل، أي سيناريو لاستردادات واسعة قد يعيد فتح نقاشات حول العجز وإصدار الدين، وهو ما يفسر الحذر الذي ظهر في تحركات العملات وأسواق الأسهم.
سياسيا، يقلص الحكم قدرة البيت الأبيض على استخدام الرسوم كأداة ضغط شاملة وسريعة تحت مظلة الطوارئ. الإدارة لا تزال تملك بدائل قانونية عبر قوانين التجارة والأمن القومي، لكنها مسارات أبطأ وأضيق نطاقا وتتطلب تحقيقات وتقارير وإجراءات رسمية. الفارق أن فرض رسوم جديدة سيصبح أقرب إلى عملية مؤسسية تخضع لتدقيق قانوني وبرلماني، لا قرارا تنفيذيا واسع المدى.
القرار يعيد الكونغرس إلى مركز المشهد ولو نظريا. الرسوم الجمركية تعود إلى فضاء المساومة التشريعية بما تحمله من بطء وتعقيد، لكنها أيضا من شرعية أوسع. هذا التحول قد يغير إيقاع السياسة التجارية الأمريكية، إذ تصبح القرارات الكبرى أكثر ارتباطا بالتوافق السياسي داخل المؤسسة التشريعية بدلا من الاعتماد على صلاحيات طوارئ قابلة للطعن.
خارج الولايات المتحدة، سيقرأ الحلفاء والشركاء التجاريون الحكم بإحساس مزدوج. هناك ارتياح نسبي لتقييد آلية فرض رسوم واسعة وغير متوقعة، لكن لا يوجد رهان حقيقي على نهاية نهج الضغط التجاري الأمريكي. البدائل القانونية موجودة، والخطاب السياسي لم يتغير جذريا، ما يعني استمرار حالة الحذر في قرارات الاستثمار وسلاسل الإمداد.
القرار يضع صفقات تجارية أبرمت تحت ضغط الرسوم أمام اختبار جديد. إذا كانت بعض التنازلات قدمت لتفادي رسوم عامة بموجب IEEPA، فإن سقوط هذا الأساس القانوني قد يدفع أطرافا إلى مراجعة التوازنات أو إعادة فتح ملفات تفاوضية. هنا يتحول الحكم القضائي إلى عامل مؤثر في هندسة العلاقات التجارية لا مجرد شأن داخلي أمريكي.
الحكم يسلط الضوء على التوتر الدائم بين خطاب الأمن القومي وقواعد الاقتصاد المفتوح. إدارة ترامب ربطت الرسوم بأهداف تتعلق بالوظائف والعجز التجاري والضغط السياسي، بينما شددت المحكمة على أن هذا الربط مهما كانت وجاهته السياسية لا ينتج تفويضا قانونيا تلقائيا. هذه المفارقة تعيد طرح سؤال قديم حول حدود استخدام أدوات اقتصادية لتحقيق أهداف سياسية.
في الداخل الأمريكي، يوفر القرار ذخيرة جديدة لمعارضي الرسوم الواسعة من جماعات أعمال وشركات صغيرة عانت من ارتفاع الكلفة واضطراب الإمدادات. في المقابل، سيستخدم أنصار الإدارة الحكم لتعزيز رواية تقول إن القضاء يقيد أدوات الرئيس في حماية الاقتصاد الوطني. بذلك يتحول الحكم إلى مادة سجال سياسي يتجاوز تفاصيل الرسوم إلى معنى السلطة وحدودها.
عمليا، سيدخل ملف الاستردادات في مسار قانوني طويل ومعقد. كل شركة مطالبة بإثبات حقها عبر دعاوى منفصلة، ما يخلق سباقا بين من يملك استعدادا قانونيا ومن ينتظر اتضاح الصورة. النتيجة المرجحة فترة ممتدة من النزاعات والتسويات، مع تأثيرات محتملة على قرارات التسعير والاستيراد.
القرار قد يدفع الإدارة إلى إعادة صياغة استراتيجيتها التجارية عبر أدوات أكثر استهدافا مثل الرسوم القطاعية أو التدابير المرتبطة بتحقيقات رسمية. هذا التحول يعني أن الرسوم المستقبلية إن فرضت ستكون أضيق نطاقا وأكثر ارتباطا بتبريرات قانونية محددة، ما قد يقلل عنصر المفاجأة لكنه لا يلغي عنصر عدم اليقين.
لم تسقط المحكمة فكرة الرسوم الجمركية ولا الجدل حول الحمائية، بل أغلقت طريقا قانونيا محددا كان يمنح السلطة التنفيذية مساحة واسعة للتحرك. الرسوم ستظل أداة قائمة في السياسة الاقتصادية الأمريكية، لكن ضمن قيود أوضح ومسارات أكثر رسمية. المرحلة المقبلة تبدو مفتوحة على إعادة ضبط للعلاقة بين القانون والسياسة والاقتصاد، في لحظة تؤكد أن النزاعات التجارية في واشنطن ليست اقتصادية فقط بل دستورية بامتياز.
رسوم ترامب الجمركية مثلت أحد أكثر محاور سياسته الاقتصادية إثارة للجدل، لأنها لم تُقدَّم كأداة تجارية تقليدية فحسب، بل كسلاح متعدد الاستخدامات يجمع بين الاقتصاد والسياسة والأمن القومي. الإدارة بررت هذه الرسوم باعتبارها وسيلة لإعادة التوازن إلى العلاقات التجارية، وتقليص العجز، ودفع الشركات إلى إعادة التصنيع داخل الولايات المتحدة. في الخطاب السياسي، ظهرت الرسوم كآلية تحقق إيرادات كبيرة للخزانة وتفرض كلفة على المنافسين الخارجيين. غير أن الواقع العملي أظهر صورة أكثر تعقيدا، حيث دفعت الشركات الأمريكية الجزء الأكبر من الفاتورة عند الاستيراد، ثم أعادت توزيع العبء عبر الأسعار وهوامش الربح وسلاسل الإمداد.
تجربة الرسوم في عهد ترامب كشفت تناقضا دائما في السياسات الحمائية. بعض القطاعات استفاد من حماية مؤقتة أمام المنافسة الأجنبية، بينما واجهت صناعات أخرى ضغوطا متزايدة بسبب ارتفاع كلفة المواد الخام والمكونات المستوردة. الرسوم تحولت أيضا إلى أداة ضغط تفاوضي مع الحلفاء والخصوم على حد سواء، ما جعلها جزءا من معادلة جيوسياسية لا اقتصادية فقط. ومع تدخل المحكمة العليا وإبطال استخدام قانون الطوارئ الاقتصادية كأساس قانوني لجزء من هذه الرسوم، دخل الملف مرحلة جديدة تتسم بإعادة تعريف حدود السلطة التنفيذية، وإعادة تقييم أثر الرسوم على النمو والأسعار والعلاقات التجارية الدولية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق