الخميس، 19 فبراير 2026

أم المعارك القانونية: معركة عبد الرزاق السنهوري وزكي عبد المتعال بشأن استقلال مجلس الدولة


السنهوري وزكي عبد المتعال وكرامة مجلس الدولة بقلم وائل أنور بندق
لعل من قناعاتي البسيطة أن السياسة إذا دخلت في أمر ما أفسدته؛ والعلامة السنهوري على مكانته القانونية الذائعة وعلو كعبه في مجال الدراسات القانونية والسياسية فإن السياسة جلبت له المشاكل وجعلت بعض تصرفاته تثير الحيرة في بعض الاحيان ( وليس في أغلبها)؛ فقد كان السنهوري وفديا ولكنه ترك الوفد للحزب السعدي تبعا لأستاذه محمود فهمي النقراشي. ومن ساعتها زرعت العداوة بينه وبين الوفد .
وسنروي هنا موقفين حدثا له مع أحد الوفديبن وهو الدكتور زكي عبد المتعال أحد أقطاب الدراسات الاقتصادية؛ وكان السنهوري في نظرنا مخطئا في الموقف الاول ؛ ومصيبا في الموقف الثاني.
الموقف الاول
عندما كان السنهوري عميدا لكلية الحقوق أراد نكاية في الدكتور زكي عبد المتعال أن يبدو وكأنه يراقب عمله في التدريس ؛ فاقتنص فرصة دخول الدكتور عبد المتعال الي المحاضرة ؛ ودخل السنهوري من الباب الآخر وجلس في مقاعد الطلاب الذين فوجئوا بأن العميد يجلس وسطهم متابعا المحاضرة؛ وحين اكتشف الدكتور زكي عبد المتعال وجود السنهوري صاح غاضبا ( الي هذا الحد انتهت المحاضرة ).
الموقف الثاني
كان الدكتور زكي عبد المتعال وزيرا للمالية في وزارة الوفد ؛ وكان السنهوري رئيسا لمجلس الدولة ؛ وزار السنهوري في المجلس وطلب منه باسم الحكومة التنحي عن رئاسة مجلس الدولة.
وقد دافع السنهوري عن استقلال مجلس الدولة، وحرص أن يدون هذا الدفاع في تقارير المجلس السنوية. فكتب في تقرير المجلس عن العام الرابع، تحت عنوان"حادث جلل في تاريخ مجلس الدولة" :
"والأن أنتقل إلى حادث وقع في مجلس الدولة في عامه الرابع، و لعله أخطر حادث وقع للمجلس من إنشائه إلى اليوم، فقد اعتدى على المجلس في استقلاله وكرامته، ولما كان هذا الحادث الخطير وقع على المجلس في شخصي، فسأسرد الحوادث سرداً موضوعياً، وأذكرها كما وقعت حتى يكون هذا التقرير سجلاً أميناً لما يقع في المجلس من حوادث وما يلم به من أحداث.
في يوم الخميس 26 من شهر يناير سنة 1950، كنت على موعد مع وزير المالية السابق (زكي عبد المتعال)، لأتحدث معه في شئون ميزانية المجلس، بناء على طلب وزير العدل، فلما انتهيت من الحديث في الميزانية، قال وزير المالية إنه يريد التحدث إلي في موضوع دقيق يتعلق برياسة مجلس الدولة، فتولاني شئ من الدهشة. ولكنه أسرع إلي القول إنه يتكلم بإسم الحكومة، وقد اختاره زملاؤه الوزراء لمخاطبتي في هذا الشأن، وذكر أنني كنت منتمياً إلى حزب سياسي، وفي رأي الحكومة أنه لا يجوز لوزير منتم إلى حزب سياسي أن يتولى منصباً قضائياً، فزادت دهشتي، إذ لم أكن من جهتي أتوقع أن يتحدث إلي وزير المالية في شئ من ذلك، فأجبت الوزير أنني لا أرى ما يمنع من أن وزيراً سابقاً يعين رئيساً لمجلس الدولة، حتى لو كان هذا الوزير قد انتمى إلى أحد الأحزاب السياسية، وقت أن كان وزيراً .. وما دمت قد استقلت من الحزب الذي أنتمي إليه، وقطعت صلتي بجميع الأحزاب السياسية، منذ توليت القضاء، فلا يجوز أن يقوم أي اعتراض على شغلي لمنصبي الحالي.
فقال الوزير: و لكن اشتركت في انتخاب رئيس هيئة حزبية ومرسوم تعيينك في طريقه إلى القصر.
فأجبت : وهل كان المرسوم قد صدر وقت أن فعلت ذلك ؟ ألم أكن وقتئذ عضواً في هذه الهيئة، وكان من واجبي أن أشترك في انتخاب رئيسها؟ ثم بعد أن صدر المرسوم أوقع مني - وقد حلفت اليمين - تصرف قضائي يدل على أنني رجل حزبي ؟
فأجاب الوزير : فيما أعلم لم يصدر منك تصرف حزبي.
قلت : وفيما لم تعلم تسطيع أن تسأل.
ثم قال الوزير كلاماً فهمت منه أن رفعة رئيس الديوان الملكي إذ ذاك -حسين سري باشا - وافق الحكومة على رأيها هذا.
فأجبت أنه يدهشني أن يكون رفعة حسين باشا سري من هذا الرأي، وقد زرته عندما تولى رياسة الوزراة أخيراً، فرحب بي ترحيباً بالغاً، وقال إنه يعرف بأني لست برجل حزبي.
وانتهى الوزير إلى أن يقول : إن شئت اختر منصباً أخر.
فقلت : وأي منصب اخر تريدني أن اختاره. ألم أكن وزيراً، وفضلت مع ذلك رياسة مجلس الدولة على منصب الوزير.
ثم قلت إن الحكومة إذ تتقدم إلي أن أتنحى عن منصبي بدعوى الحزبية، هي التي تتصرف تصرفاً حزبياً معيباً، وأن واجبي هو أن أدافع اعتداءها على كرامة مجلس الدولة واستقلال القضاء، وسأبقى في منصبي لأقوم بهذا الواجب. وإن بيني وبينكم دستور البلاد وقانون مجلس الدولة.
ثم سلمت وانصرفت.
وأعقب ذلك أن صدرت جرائد الحكومة في الأيام التالية تهاجمني في عنف شديد وتطلب خروجي من رياسة المجلس.
فأرسلت في يوم 29 من يناير سنة 1950 كتاباً إلى وزير العدل بسطت فيه الحديث الذي دار بيني و بين وزير المالية، و في اليوم ذاته أرسلت صورة من هذا الكتاب إلى رئيس الديوان الملكي راجياً رفعه إلى مقام حضرة صاحب الجلالة الملك .. وانتظرت رد وزير العدل فلم أتلق شيئاً، وزادت جرائد الحكومة في مهاجمتي تحت عناوين ضخمة نشرت في أظهر صفحاتها.
فرأيت من واجبي أن أدعو الجمعية العمومية للمجلس للاجتماع، فاجتمعت في أول فبراير سنة 1950، وعاودت الاجتماع فتولى الرياسة أقدم الوكيلين، حضرة صاحب العزة سليمان بك حافظ .. و بحسبي أن أسجل القرار الذي انتهت إليه الجمعية وهذا هو :
(.. و لما كانت الجمعية ترى أن تعيين رئيس مجلس الدولة، ولو كان هذا الوزير منتمياً إلى أحد الأحزاب السياسية جائزاً قانوناً، مادام الوزير السابق قد استقال من حزبه. ولذلك كان في مطالبة رئيس مجلس الدولة بالتنحي عن منصبه بهذه الطريقة مخالفة صريحة للقانون، واعتداء على استقلال المجلس، لا تقره الجمعية العمومية وتعهد إلى رئيس مجلس الدولة، أن يتخذ من الاجراءات ما يكفل المحافظة على استقلاله ).

التحميل: اكتمل تحميل 203186 من 203186 بايت.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق